يورغن كلوب وريد بول.. كيف تُبنى منظومة الإدارة الرياضية الحديثة؟
الإدارة الرياضية الحديثة لا تقتصر على إدارة الفريق الأول أو اتخاذ قرارات الانتقالات، بل تعتمد على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الاستراتيجية، البيانات، اكتشاف وتطوير المواهب، القيادة، إدارة الموارد، واستمرارية العمل.
من دور يورغن كلوب مع Red Bull إلى تجربة مايكل إدواردز في ليفربول وانتقال المسؤولية من Txiki Begiristain إلى Hugo Viana في مانشستر سيتي، يستعرض المقال كيف تطورت الإدارة الرياضية الحديثة من إدارة الفريق إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على الاستراتيجية، البيانات، تطوير المواهب، واستمرارية العمل.
أبرز النقاط
- الإدارة الرياضية الحديثة تتجاوز إدارة الفريق الأول.
- الاستراتيجية والهيكل التنظيمي عنصران أساسيان في المؤسسة الرياضية.
- البيانات والـScouting جزء مهم من عملية اتخاذ القرار.
- تطوير المواهب يحتاج إلى منظومة واضحة ومستدامة.
- انتقال المسؤوليات يجب أن يكون جزءًا من التخطيط المؤسسي.
- المدير الرياضي يحتاج إلى مهارات في القيادة والتفاوض والتحليل وإدارة الموارد.
عندما تولى يورغن كلوب منصب Head of Global Soccer في Red Bull مطلع يناير 2025، لم يكن الانتقال مجرد خطوة جديدة في مسيرته بعد سنوات طويلة على مقاعد التدريب، بل كان نموذجًا واضحًا لتحول بعض الأدوار القيادية في كرة القدم من إدارة فريق واحد إلى تطوير منظومة رياضية كاملة.
في هذا الدور، عمل كلوب على مستوى استراتيجي لدعم المسؤولين الرياضيين داخل شبكة أندية Red Bull وتطوير فلسفة كرة القدم، بدلًا من إدارة التفاصيل اليومية لفريق بعينه. وفي يوليو 2026، أعلنت Red Bull مغادرته المنصب بعد اختياره تولي تدريب المنتخب الألماني.
هذا التحول يطرح سؤالًا أوسع: ما الذي تحتاجه المؤسسات الرياضية الحديثة حتى تُدار كمنظومات، وليس كمجموعة من القرارات المنفصلة؟
عندما تصبح إدارة النادي أكبر من الفريق الأول
في كرة القدم الحديثة، لم تعد الإدارة الرياضية مرتبطة فقط باختيار المدرب أو التعاقد مع اللاعبين. فالنادي يعمل من خلال مجموعة مترابطة من الإدارات تشمل التخطيط الرياضي، الاستقطاب، تحليل البيانات، تطوير المواهب، إدارة الموارد، البنية التحتية، والتواصل الداخلي والخارجي.
ولهذا أصبحت القرارات الرياضية بحاجة إلى أن تكون جزءًا من نموذج واضح يربط بين هوية النادي وأهدافه طويلة المدى، بدل التعامل مع كل موسم باعتباره مشروعًا منفصلًا.
وهنا تظهر أهمية وجود قيادة إدارية قادرة على فهم الصورة الكاملة، وربط القرارات اليومية بالاستراتيجية العامة للمؤسسة الرياضية.
يورغن كلوب.. من إدارة الفريق إلى تطوير المنظومة
خلال مسيرته التدريبية مع بوروسيا دورتموند وليفربول، ارتبط اسم كلوب بإدارة الفرق وبناء بيئات عمل واضحة حول الفريق الأول. لكن تجربته مع Red Bull نقلته إلى مستوى مختلف من المسؤولية.
عند الإعلان عن تعيينه، أوضحت Red Bull أن دوره كان استراتيجيًا، وأنه سيعمل على دعم المسؤولين الرياضيين وتطوير فلسفة كرة القدم عبر شبكة الأندية، دون الدخول في العمليات اليومية لكل نادٍ.
وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم في الإدارة الرياضية: كلما توسعت المؤسسة، أصبح المدير مطالبًا بالتفكير في النظام الذي يصنع القرارات، وليس في القرارات نفسها فقط.
فبدل أن يكون التركيز على نتيجة مباراة أو صفقة واحدة، يصبح السؤال متعلقًا بكيفية بناء عملية مستمرة لاكتشاف المواهب، وتطوير اللاعبين، واختيار الكفاءات، وربط العمل الفني بالأهداف المؤسسية.
Red Bull.. عندما تعمل الأندية ضمن رؤية مشتركة
تجربة Red Bull تقدم مثالًا على نموذج متعدد الأندية، حيث توجد مجموعة من الأندية التي تعمل ضمن منظومة رياضية واحدة مع وجود مسؤوليات محلية لكل نادٍ.
ولهذا كان دور كلوب مختلفًا عن دور المدير الفني التقليدي؛ فالمهمة كانت مرتبطة بتطوير كرة القدم على مستوى الشبكة، والعمل مع المسؤولين الرياضيين بدل إدارة فريق واحد بشكل مباشر.
وهذا النوع من النماذج يحتاج إلى وضوح في الأدوار والصلاحيات، لأن وجود أكثر من نادٍ وأكثر من فريق وأكثر من سوق يجعل التنسيق جزءًا أساسيًا من الإدارة.
الهدف هنا ليس توحيد كل التفاصيل، وإنما بناء إطار يسمح لكل مؤسسة بالعمل وفق ظروفها، مع الحفاظ على مبادئ واضحة في اختيار المواهب وتطوير اللاعبين واتخاذ القرارات الرياضية.
مايكل إدواردز.. الإدارة الرياضية كعملية متكاملة
يمكن رؤية الفكرة نفسها في تجربة مايكل إدواردز مع ليفربول. ففي نوفمبر 2016، عُيّن إدواردز مديرًا رياضيًا للنادي ضمن إعادة هيكلة عمليات كرة القدم، وأصبح مسؤولًا عن جوانب شملت تحديد اللاعبين والتعاقد معهم وبيعهم والاحتفاظ بهم، إلى جانب العمل على تطوير بيئة التدريب والبنية التحتية.
وهذا النموذج يوضح أن الإدارة الرياضية لا تعمل بمعزل عن الفريق الفني. فاختيار اللاعب، وتحديد احتياجات الفريق، وتطوير الأكاديمية، وتحسين بيئة العمل، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في بعضها البعض.
كما أن ليفربول أكد لاحقًا أن فريق عمليات كرة القدم الذي قاده إدواردز كان جزءًا مهمًا من عملية تطوير المنظومة التي دعمت فريق يورغن كلوب، إلى جانب العمل على مشروع مركز التدريب الجديد في Kirkby.
البيانات والـScouting.. عندما تصبح المعلومات جزءًا من القرار
أحد التحولات الأساسية في الإدارة الرياضية الحديثة هو زيادة الاعتماد على المعلومات والبيانات قبل اتخاذ القرار.
لم يعد الـScouting مقتصرًا على مشاهدة اللاعب وتقييم مستواه الفني، بل أصبح جزءًا من عملية أكبر يمكن أن تشمل تحديد احتياجات الفريق، بناء ملفات اللاعبين، دراسة البدائل، ومتابعة مسارات التطوير.
وهذا لا يعني أن البيانات تحل محل الخبرة البشرية، وإنما تصبح أداة تساعد المدير الرياضي على بناء قرار أكثر تنظيمًا، خصوصًا عندما تكون المؤسسة مسؤولة عن عدد كبير من اللاعبين والفرق والمشروعات.
طوّر مهاراتك في إدارة المؤسسات الرياضية
Certificate in Managing Director in Sports
عندما يتغير المدير.. هل تتوقف المنظومة؟
أحد الاختبارات الحقيقية لأي مؤسسة رياضية يظهر عند انتقال أحد أصحاب المناصب الرئيسية.
في مانشستر سيتي، أعلنت إدارة النادي أن Txiki Begiristain سيغادر منصبه كمدير لكرة القدم في نهاية موسم 2024/25، على أن يخلفه Hugo Viana، مع وجود فترة انتقالية عمل خلالها الاثنان معًا لضمان انتقال المسؤوليات بصورة منظمة.
وبحسب التقرير السنوي للنادي، عمل فيانا مع بيغيريستين خلال الأشهر السابقة لتوليه المسؤولية بشكل كامل في أبريل 2025، ضمن عملية انتقال وصفتها إدارة النادي بأنها سلسة.
هذه التفاصيل تكشف جانبًا مهمًا من الإدارة الرياضية: نجاح المؤسسة لا يجب أن يعتمد بالكامل على وجود شخص واحد، مهما كان تأثيره.
كلما كانت العمليات موثقة، والأدوار واضحة، والقرارات مبنية على نظام، يصبح انتقال المسؤوليات جزءًا طبيعيًا من تطور المؤسسة بدل أن يتحول إلى أزمة.
المدير الرياضي يحتاج إلى رؤية تتجاوز الملعب
المدير الرياضي الحديث يتعامل مع مجموعة واسعة من الملفات في الوقت نفسه؛ من فهم هوية النادي وإدارة الموارد والميزانية، إلى المشاركة في التخطيط الاستراتيجي ومتابعة الجوانب القانونية والتعاقدية، إلى جانب إدارة العلاقات والتواصل مع مختلف الأطراف داخل المؤسسة وخارجها.
ولهذا، لا تتوقف المهارات المطلوبة لهذا الدور عند المعرفة بكرة القدم، بل تمتد إلى القيادة وتحليل المعلومات والتفاوض وإدارة العلاقات ومتابعة العمليات، مع القدرة على ربط الجوانب الرياضية والتجارية والتنظيمية ضمن رؤية واحدة تحافظ على استقرار المؤسسة وتوجّه قراراتها نحو أهداف طويلة المدى.
من إدارة الأفراد إلى بناء المؤسسة
تجارب كلوب مع Red Bull، وإدواردز مع ليفربول، وانتقال المسؤولية من بيغيريستين إلى فيانا في Manchester City، تختلف في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند فكرة أساسية: الإدارة الرياضية الحديثة تعتمد على بناء منظومة قادرة على العمل والتطور، وليس فقط على وجود أسماء كبيرة في المناصب.
فالنادي يحتاج إلى استراتيجية واضحة، وهيكل تنظيمي محدد، وعمليات لاتخاذ القرار، ونظام لاكتشاف وتطوير المواهب، إلى جانب القدرة على إدارة الموارد والعلاقات والبيانات.
وعندما تعمل هذه العناصر معًا، تصبح الإدارة الرياضية عملية مستمرة يمكن تطويرها وقياسها ونقل مسؤولياتها من شخص إلى آخر دون فقدان اتجاه المؤسسة.
الإدارة الرياضية الحديثة.. منظومة قبل أن تكون منصبًا
انتقال يورغن كلوب من التدريب إلى الإدارة الاستراتيجية مع Red Bull ثم انتقاله لاحقًا إلى تدريب المنتخب الألماني يوضح كيف يمكن للخبرة الرياضية أن تنتقل بين أدوار مختلفة داخل صناعة الرياضة. أما تجارب أندية مثل ليفربول ومانشستر سيتي فتوضح أهمية وجود هياكل إدارية قادرة على توزيع المسؤوليات والحفاظ على استمرارية العمل.
وفي النهاية، لا تُقاس الإدارة الرياضية فقط بعدد الصفقات أو البطولات، وإنما بقدرة المؤسسة على بناء طريقة واضحة للعمل واتخاذ القرار وتطوير الأشخاص والموارد على المدى الطويل.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة المتخصص الذي يفهم الرياضة والإدارة معًا؛ لأن صناعة القرار داخل النادي الحديث أصبحت تحتاج إلى معرفة تتجاوز حدود الملعب، وتمتد إلى التخطيط والتنظيم والبيانات والقيادة والتفاوض وإدارة المؤسسة ككل.
أسئلة شائعة
ما المقصود بالإدارة الرياضية الحديثة؟
هي إدارة المؤسسة الرياضية من خلال منظومة متكاملة تشمل الاستراتيجية، الموارد، المواهب، البيانات، العمليات، والقيادة.